من مذكرات ماي

تهاجمني الذكريات على إختلاف أذواقها و ألوانها عندما أبتعد . تتساقط عليّ غزيرة كثيفة كأول غيوم بأول شهر نوفمبر بعد موسم صيف لافح . فأكتب ثم أعيد قراءة كتاباتي الأكثر غباءا لأسعد ، أشاركها أو أقله أحب مشاركتها لكي تُسْعِد غيري . لا أستطيع إخباركم عن كمِ المرات التي نمت فيها مغتبطة و الدفء و الحميمية تملؤني تبعة لقراءتي رواية ، قصة أو ذكرى سعيدة ، تُدثرني ذكريات غيري السعيدة و التي غالبا ما أستقيها من روايات وكتب كلحاف جدتي بليلة شتاء بارد أو كوب قهوة ساخن، كحال هاته الذكرى أحِبُ كوب قهوتي ، أبحث لعلّني أجد في مرارتها بعضا من اللذة ، تماما كما أفعل مع القهوة … أو على الأقل أحاول .

– أكتب كما كتبت ماما من قبل و إتفقنا الإثنتان على الكتابة ، على أننا سنكتب و خلاص . هي قالت من قبل أنها تكتب و تعيد قراءة مذكراتها لتبقى الذكرى في القلوب ، أما أنا  فأكتب لأنسى ، أكتب لكي لا أختنق، أكتب لكي أسمع نفسي و يسمعني غيري . أعترف بأهمية الأمر لي ، لا أنكر أنني أجده حقيرا نوعا ما لكنني أحاول تقبل الأمر .

– و أنا و على عكس ماما أكتب كي لا تظل الذكرى في القلوب . أكتب لأطرد عني و أتخلص من وحش الذكرى .  أكتب لأسْعِدني . يُسعدني أن أعيد قراءة القديم . على الأقل الصورة و الإطار كانا أجمل .
هي قطعة من مذكراتي الشحيحة جدا بالذكريات السعيدة، لاحظت أنني فقط أكتب عند الحزن، قلما أحاور الورق عند إغتباطي ،
هي قطعة ذكرى minus الكثير من قلة أدب ، قد أخْبِرُ فيها فقط عن الجزء المحتشم ، لكم تقرير إن كان ما أخبرت عنه محتشما أو أنه لم يكن . لكنني صراحة لا أكترث ، آسفة ، و ربما قد لا أكون .

من غرفة صديقة بالإقامة ، ذات شهر ماي كتبتُ :

بسبت الأسبوع الفائت قصدتُ و إيّاهُ العاصمة للقاء صديقة لكنها تغيبت عن الموعد و كنت أتساءل طيلة الوقت إن هي فعلت هذا عن قصد ، أظنها أرادت لنا أن نمضي وقتا  إضافيا رفقة بعض و يختلي الواحد منا بصاحبه .
توقفنا على تقريبا كل مكاتب العاصمة وسط ، تصفحنا العديد من الكتب ، شاهدنا المزيد من العناوين و طبعا تململت ، كثيرا و بكيت حظي لعدم تمكني من إقتنائها كلها خاصة الكتاب الذي تحدث عن دور النساء في إقامة و إخماد مختلف الثورات حول العالم …

تصرفت كالغبية و حوله . ضحكنا كثيرا كثيرا . أعلم .. أنا أحبه و الأمر بسيط :  يجعلني.سعيدة.جدا،  بلهاء حمقاء أدور بفلك يحوم حوله و فقط …

وجدنا مكتبة أنيقة جدا، لم يسبق لنا الذهاب إليها مترامية على طرف تقاطع شارع رئيسي و دلفنا، كان صاحب المكتبة رجلا أنيقا بالمثل . المكان كان له عبقه الخاص ، رائحة الكتب القديمة ، صفراء بالية لكن جميلة جدا .
من دون أن أعي الأمر قصدت كتابا غلافه كان مميزا ، غليظا كمجلد و حروف منقوشة على غلافه الخارجي ، و بالوردي الساخن بالانجليزية :  sexy cuisine
قصدت المنهل و وجدته فعلا كتابا يعرض أطباقا “مثيرة” . كلمة hot ‘ment  عوضت “صحة و عافية” و بهذا أدرج كلمة جديدة الى قاموسي ، أتخيل أنني أقدم له طبقا على الطاولة بمطبخنا الصغير الذي أجده حميميا جدا، خاصة النافذة الصغيرة ، ستائرها بيضاء بحمرة تأتي بنقوش مربعة تزينها ، أتذكر أنني على الأغلب إشتريتها لأنه لا ينفك يخبرني حين نتبضع لملابسه أو ملابسي : ” I love patterns ” .
– ” تفضل عزيزي ، حضرت لك طبقك المفضل ، آه كدت أنسى : hot ‘ment  ” .
– عرجنا على المكتبة الثانية و صادف أن يكون حفل توقيع لكاتبة شهيرة ، دلفنا و المفاجأة ؟  هو الكتاب ذاته  الذي رغبت بإقتناءه بشدة بذات الصبيحة ، المتكلم عن النساء و الثورات …
كانت الكاتبة سيدة إسبانية بمتقدم العمر، جميلة أخاذة تحاول مجاراة  الشعب الذي كان يبتغي أخذ صور تذكارية معها ..أنظر فأجد جموعا غفيرة ، الغير المهتمة بالأمر أكثر منها معنية ..إصطفوا بخط منكسر و كل منهم إقتنى نسخة من كتابها ليحظى بالتوقيع ، لا لشأن  لمجرد أنها – و الظاهر- شهيرة . أكاد أجزم ان العديد منهم كان يفكر في قرارة نفسه : قد تكون للكتاب مُوَقَعا قيمة بالمستقبل، من يدري ..

أعافه ، هذا المجتمع “المثقف” زيفا …

توقفت ألاحظ الأمر الذي بدى سخيفا جدا بشكل خرافي … شاب يحمل قفة ‘خضرة’ و خبزا توقف عند الباب ،لاحظ الجموع ، نزع نظاراته ، دلف ، لاح بنظره حوله ، مدّ بيده الى الرف  و أمسك بالكتاب , قلًبه في استهتار , تمعن بصورة الغلاف الذي كان يصور إمرأة ملتحفة بِلِحافِ أحمر تسربت منه عينان خضراوان واسعتان تسلبانك كل الروح التي تملك إن نظر إليها الناظر مباشرة ..كانت بحق تتحدث دون أن تنبس ببِنتِ شَفَة ..
صاحب القفة تاع الخضرة ، المثقف المهتم بالثورات و النساء  ( موسميا وإعتباطا ) قال و بتلك اللكنة العاصمية المبالغ فيها كثيرا و التي أمقتها أكثر :  ” يا خووو ، هادا  هوا الكتاب ديالها ؟؟ ” .
أطرق المكتبي بالإيجاب و على إثرها أطلق ال” خو” ابتسامة غبية مستفزة أردت لكمه على اثرها …

أشاهد الأمر في تقزز ، لأستفيق على صوته و يداه تحاول جري إلى ذات الصف و لسان حاله :
” babe, what  a coincidence !  , الكتاب نفسه ؟ ألا تريدين إقتناءه ؟ تعالي هدية هو مني اليك ” .
أضاف الجملة الأخيرة لمّا أخبرته أنني ليس بجعبتي المبلغ الكافي
– ” لا . لا أريد . لا أريد أن أقف بالصف فيظن الواحد منهم أنني مثلهم أتيت من أجل التوقيع أو أسوء ؟ أنني عشوائيا قررت ذلك و الآن لتوي، فقط لأخذ صورة تذكارية مع من قد و قد لا تكون كاتبة مشهورة – لا يهم , المهم إسبانيولية و تكتب و خلاص –i am good thanks !  ”
أصرَّ أصرّ و أصرَّ و حاول ثنيي عن تمنعي من إقتناء الكتاب . حتى انه راح يذكرني بحقيقة أنني فعلا أحببته جدا و كنت أنوي اقتناءه بغض النظر عن خلفية الكاتبة أو الكاتب ( لم أميز آنذاك أصلا ان كان كاتبا أو كاتبة , لم يهم الأمر حقيقة ، لم يهم إن كان الكتاب حديثا أم لا،  فقط اعْجِبْتُ بمحتوى الكتاب )
– إصراري إنتصر على إصراره … لم أبرح مكاني بل و إنتهزت فرصة خُلوٍّ المكتبة ( مُفَضَّلَتي ) كلية من الأشخاص لكي أتجول بين رفوف الكتب على مهل و أشاهد عناوينها دون أن أرتطم بأحدهم أو أن يسألني أحدهم أن أمرر له الكتاب الذي بقربي – قلة لباقة ..ألا يدرك أنه يقطع سيالة أفكاري ؟-
نزلت إلى الطابق السفلي و الظاهر هو تبعني … الظاهر أقول فأنا لم ألحظه بباديء الأمر .
تناولت كتابا و رحت أتصفحه ، غطست به و فقدت الإحساس بما حولي كلية ، لأعود إلى عالم الواقع عليه واقفا بجانبي ، رفعت رأسي و كان ينظر إلي بحنان … أحبُّه عندما ينظر إلي بكسل ، لا أدري لما أقارن عيناه بعيني كوالا  ، عن الحيوانات الكسولة أتكلم . عيونهم لماعة ، سوداء و بنية ، واسعة بأهداب رموش طويلة تُظلِل عليها ، كيف تستغربون أن أقع بحب عيني الكوالا  أو عينيه بربكم ؟؟
أقارن عيناه بعيني كوالا أيضا و ربما لأنها تبعثان على الكسل و النعاس، و أنا أحب الإثنان ، و ربما أحبه أكثر،  بغض النظرعن حقيقة أنني لست فعلا كسولة ، ساعات …
كان مازال ينظر إلي بكسل و كأن الكرى يتعرش على رموشه السوداء الجميلة ،  يبتسم نصف الإبتسامة ، تلك التي تبعث في أعصاب جسدي الرعشة . يبتسم نصف إبتسامة فتُطْلِق سهما يبعث بتلك الغمازة الشهية التي أحبها كثيرا، نافذة تقفز إليها كل حواسي و تثور …
و قبل أن أفتح فاهِ و أستهل الحديث عن الكتاب إقترب مني خطوة إضافية و أمكنني الإحساس بزفيره على خصلتي الأمامية التي رفعتها إلى الخلف من شدة الحر. يَميلُ ، يغرِسُ أرنبة أنفه برقبتي و على كتفي،  يجر وجهه و يأخذ نفسا عميقا . يشُمٌني و يرفع رأسه أخيرا ..
أحسه يتفرس وجهي،  و بشراهة و على اثر ذلك يتدفق الدم و بغزارة ليحيي شريانات وجهي ثم ينحصر الدم كله و يحتل أعلى وَجْنَتَيْ . كم أكره حدوث ذلك …
أخيرا كلمة ، أخيرا أوقف المناورات، سيد المناورات ، سيد الكون، سيد عالمي ، عالمي …
–  قال : ” تعلمين، رائحتك إختلطت برائحة الكتب .. You smell like books .” .
– ضحكت ،  بتوتر ، أطرقت و قلت شيئا أو شيأين سخيفين : ” صحيح ؟ قول و الله ؟ ” .
– ” و الله ” ، أجابني بثقة و مكر مثيرين و أطْرقتُ رأسي في محاولة لتزييف اللا مبالاة …
ثم قال :  “ Now i have to kiss you ”   ( وجب عليَ تقبيلك ) …
– أرفع عيناني بحذر و أٌقسم أنني أحسست حدقتي عينياي تتسعان، تتسعان و تتسعان حتى كادتا تسقطان أرضا ..
تعلمون ما فعلت ؟ لم أنبس ببنت شفة .. فقط عضضت على شفتاي، دون دراية مني ، تشبثت قبضة يدي بقميصه ، سحبته ، وقفت على أطراف أصابعي في محاولة مني لمداراة الفارق الطولي . أغمضت عيناي و تحضرت للقبلة ….

فقط ، لن أخبر المزيد عن ما حدث ، كل ما سأخبركم عنه :  يُدَوِّخُني هاذاك الڨالمي .

أريده بحياتي  و بجرعات مبالغة ، قاتلة . ألا نقول في أدبياتنا أنّ من الحب ما قتل ؟ سأخبر عنه و سأقول : أنه فعلا من الحب ما قتل .
أمر آخر، نسيت ( أو بالأحرى تناسيت فكرة أن تكون بالمكتبة كاميرات مراقبة تراقبنا )
الأمر الآخر الأهم ، يجعل مني غبية سعيدة جميلة جدا ..

لم ينتهي .

Leave a Reply