فيمينيزم شعْبي

 18730_892897927471211_4463018062070461131_n

الفيمينيزم قضية شخصية بالنسبة لي .
فيمينيزمي شعبي، لا هو بغربي و لا أرستقراطي . فيمينيزمي  basic ، populist

الفيمينيزم قضية شخصية بالنسبة لي من قبل أن يكون حركة أتبناها لعدة أسباب . إحداها  أنني أعرف تماما كيف هو الحال للإناث هنا ، عشت و عايشت الوضع غير منمق، دون تزويق و لا تجميل . بين الشعب، من و إلى الشعب.
تمدرست بمدارس حكومية ، تَسوَّقت من أسواق شعبية، ركبت كل أنواع المواصلات ، أترحل إلى خروبة – محطة الحافلات أكثر مما أرغب فيه . و بالصائفة، عندما تنقطع المياه عن الحي، أملؤ الدلاء من تلك العين العمومية أمام مسجد الحي …
أظنني أحاول أن أؤكد أنني شعبية، أكثر بساطة من أي صديقة  أخرى . لي من الصديقات من لم تركب المواصلات و لو لمرة . أخريات لا يتنقلن لمحطات الحافلة دون مرافق .البقية الشاسعة لم يتنقلن خارج الولاية وحيدات ، على غرار تلك المرات المحدودة بالحالات الحرجة و حالات الحاجة القصوى …

لا أبتغي المتاجرة بالقضية و لا أنا أحاول أن أكون المتحدثة الرسمية . لا أظنني أصلا أرغب في أن أكون وجه القضية.

وُلِدْتُ و ترعرعت بين حَيّيْن شعبيَّيْن يتفوَّقُ أحدهما على الآخر شعبية ً : بوعقال و تامشيط – بباتنة . أجدني أخمن أنني لو ولدت بالعاصمة لكنت يا : بنت القصبة يا بنت باب الواد .تطلعت للخروج، منذ حتى قبل أن أعي .  أحببت و لا أزال أحب الحيين كثيرا و أشتاقهما أكثر لكنني لا طلما تطلعت للخروج ، والدتي باركت الأمر، فهي أصلا من إقترحته و واضبت حثي عليه .

والدتي سيدة مثقفة قبل كونها متعلمة أو معلِّمة . قرأُتْ كل أمهات الكتب ، كتَبَت أكثر . تمتَّعَتْ بالكثير من الحرية، أكثر من أي من صديقاتها . لكنها و بالرغم من كل هذا مغبونة … تقريبا ككل النساء الأخريات التي تعرفهن و أعرفهن . عنقها بيد رجل ، الأب ، و كعبُها مربوط بيد رجل آخر . هي أحسن حالا من كثيرات أخريات، فعلى الأقل لم يُبْقى منها لأخ ، ذكرٌ هو الآخر، الأخ الذي مَن بِرِوايات إناث أخريات حَوَّلَ حيواتِهن جحيما بأوقات فراغ الذكرين السابقي الذِكْر منهن …

والدتي وهي  تلوح لشطرها الخمسين ،  لا زالت تستسلم لسلطة الذكور في قبيلتها .
والدتي لا زالت لا تملك العصمة في إتيان قراراتها ، حتى الأكاديمية فيها ، كقرار عدولها عن العمل أو تقاعدها .
والدتي ، و بالرغم من أنها أول من عرفني على كتب نوال السعداوي، كتب الفلسفة، فن المسرح ، بالرغم من جمال روحها عنفوانها و كبريائها العظيم ، الكبرياء الذي يكفي بلدًا، تُصر على مواصلة الإنحناء للعواصف و الضربات العديدة  إتقاءا – كما تزعم –  من الإنتحار الإجتماعي . تصر على أن صورتها الإجتماعية  بِجُلٍّ … لا تنفك تضرب مَثَلَ السنبلة الذكية  التي تنحني حتى تهدأ العاصفة حتى لا تنكسر و أبدأ التململ و أخبرها أنني لست سنبلة . و لما يجب أن أكون سنبلة . ربما قد لا أريد أن أكون سنبلة …

الفيمينيزم قضية شخصية، لأنني أنا الأخرى كنت ضحية الإعتداءات الجسدية و المعنوية .
الفيمينيزم قضية شخصية، لأنني أنا الأخرى كنت ضحية للتحرشات بالمواصلات، بالطريق، بالسوق،  بالمنزل ، بالمدرسة، بالملعب الجواري .
الفيمينيزم قضية شخصية، لأنني، والدتي وأختاي عرضة ل التجريح المستمر، لأننا بنات بلا ولد في العائلة .
الفيمينيزم قضية شخصية، لأن والدتي، المسكينة ، تحتاج كل مرة تجتمع بجاهلات و فاهمات العائلة، تبرر تقصيرها، فكيف لا تنجبين الذكور ؟  و تضطر إلى إقناع الجميع أن القرار ليس بيدها و أن الأمر لا يتحكم فيه .
الفيمينيزم قضية شخصية، لأنني أنا الأخرى كنت ضحية للمساومات ، من طرف ذكور ظنوا أنهم أرباب نعمة .
الفيمينيزم قضية شخصية، لأنني أنا الأخرى تعرضت و لا زلت لست بمنأى عن مختلف التمييزات العنصرية – الجندرية
الفيمينيزم قضية شخصية، لأنني أنا الأخرى ، و بالرغم من إستقلالي الكلي ، معنويا و ماديا ، لا زالوا يحاولون إملاء قراراتهم و إختياراتهم عليَّ . من على بُعْد ، في كامل جرأة ، من القريب إلى أبعدهم ، بداية من الأب الذي لم يكن يوما بأب ، العم الأصغر الذي يكبرني فقط ببضعة سنوات و الذي لا أعرف عنه شيئا  و لا حتى إسمه الحقيقي ، عمتي التي لا تعرف عني لا الكثير و لا القليل ، القريب الذي حاول الإعتداء عليَّ جنسيا بوقت سحيق يتجرأ فيعود ويتقدم مؤخرا يطلُبني للزواج . الحيطيست ، الجار، الذي أظنه بالثلاثين من عمره، شهد معي كل مراحلي حياتي الدراسية مستندا إلى ذلك الحيط . فقط و ببساطة : الجميع ،  يظنون أنهم مخولون لفعل ذلك … إملاء القرارات على شخصي و كأنني ملك عمومي . الكل يسال فيا ، حياتي و قراراتي كرة تتقاذفها أرجل الجميع  ، سوق شعبية ، حمّـــــــــام … بمدِّ الميم ، كيما تقول صديقتي البسكرية شيماء .

الفيمينيزم قضية شخصية، لأنني أنا الأخرى شاهدْتُ والدتي، الفيمينست الأولى ، تتعرض لكل أشكال الإهانات من طرف من هي- من المفروض- إختارته يوما ما شريكا لحياتها . و بالمثل ـ مِنْ مَن لم تختره هي ليأتي بها إلى الدنيا .
الفيمينيزم قضية شخصية، لأنني أنا الأخرى كان العنف المنزلي أمرا روتينيًّا بالنسبة لي ، ترك فِيَّا عصبية و صفات أخرى مخيفة أحاول جاهدة التخلص منها .
الفيمينيزم قضية شخصية، لأنني أنا الأخرى أعرف بالضبط كيف هو الحال لإمرأة جزائرية ، من تحاول أن تتقدم بحياتها و توسِّع من أفاقها دون نسيان من تكون أو من أين أتت . من ذاك الحي الشعبي بباتنة .
الفيمينيزم قضية شخصية، لأنني أنا الأخرى أزاحم بالمواصلات ، لم أقتني سيارة خاصة ، أعتمد المواصلات ، عكس أغلب صديقاتي الأخريات ، لأنني لا أريد أن أكون مختلفة . أن يُشار إلي بالبنان و يُقال : ” She is privileged ”  أو ” she has it better/easier” .

الفيمينيزم قضية شخصية، لأنني أتعمد التخلف و الإعتذار و إن حدث و وقع الأمر، لا أنفك أِؤنب نفسي، عن كل اللقاءات الفاخرة بالمطاعم الفاخرة ، لأن و ببساطة صورة من يقتني خبزا متسخا من حاوية قمامة و من ذات ذاك اليوم الذي وقع ناظري عليها ، لا تفارقني . لا أستطيع بلع لقمة فاخرة دون أن تستحضر ذاكرتي الصورة .

لست بصدد إتخاذ الفيمينيزم كمشروع شهرة . الفيمينيزم هو معركتي الشخصية ، معركة والدتي التي – الظاهر-  قررت ألا تخوضها و قررتُ أنا أن أخوضها عنها . الفيمينيزم هو قضية أقرب إلى أبعد  صديقاتي ، الفيمينيزم قضية الفتيات التي لا أعرفهن و يُراسلنني . الفيمينيزم هو قضية الفتيات و النساء اللواتي ألتقيهن بالقطارعند ترحلي، الفيمينزم قضية كل من إلتقيت و كل من من لم ألتقي و إن أنكرن . الفيمينيزم جزء من هويتي .

فيمينزمي شعبي ، basic  . ببساطة لأنني و في حقيقة الأمر لست أطالب بالكثير. كان لي لقاء بباحثة منذ أسبوع ، كاتبة و محاضرة متخصصة في الدراسات الجندرية وحقوق المرأة : professor Aili trip mari  ، أين ناقشنا الموضوع و النقطة بالذات . أخبرتها أنني إطلعت وعاينت الفيمينيزم الغربي عن قرب  بحُكم مكوثي بالولايات المتحدة و إحتكاكي بمختلف النسويات : marxist, socialist, eco feminists, liberal, internsectional, imperialist ، radical  ….

لكن وبالرغم من ذلك ، وعلى إمتداد خارطة الفيمينيزم، لم أجد أين كان لي أن أتموضع ، بكل الموروث التاريخي و الثقافي الغنيين كنسوية جزائرية ، و تبعة لذلك كان علي أن  أبتكر فلسفة فيمينيزم حديثة ، مُستجدة تتوافق و إحتياجات العصر ، تحترم أطر تركيبة الإيديولوجيات و الثوابت التي يقدسها المجتمع و الشعب الدزيري ، وجدت أنه و بالنظر إلى كافة المعايير و المحطات أنه بالفعل قد آن الأوان لبعث حركة الفيمينيزم بحلة و ثوب جديدين، بَيْد أن الحركة ليست بدخيلة على التاريخ الجزائري .

الفيمينيزم الجزائري عرف بوادره الأولى مع ديهيا و تينهينان ، المحطة الثانية  كانت مع فيمينيزم زهور ونيسي، فاطمة نسومر ، جميلة بوحيرد ، زهرة ظريف و المجاهدات الأخريات والذي إمتد إلى ما بعد الفترة الإستعمارية ليمس الجوانب الاقتصادية و الحياة السياسية للمرأة الجزائرية ، المتمثل بشكل جلي خلال فترة العشرية السوداء و الدور الدبلوماسي الذي لعبته النسويات في تدويل القضية  ( في حادثة تنقل الوفد الأنثوي الدبلوماسي لمقر هيئة الأمم المتحدة منددات بنشاط جبهة الإنقاذ ‘ الفيس’  المتطرف و مطالبات  بإلغاء وعَدْمِ شرعية الانتخابات التشريعية سنة بسنة 1991 ).
أظنه آن الأوان لبعث فيمينيزم جديد يعالج جوانب جديدة من حياة المجتمع الجزائري : الإجتماعي و الثقافي خصوصا .

البروفيسور التي حاورتني وجدت الأمر طريفا عندما أخبرتها أن فيمينيزمي شعبي (Basic ) و متطرف (extreme  ) في نفس ذات الوقت حسب المقايسس الجزائرية  ،  ذلك أن حقيقة الأمر أني لا أبتغي صراحة الكثير، لا أشيد حركة Femen كما يظن العديد ، لا أشجع الفيمينيزم الأمبريالي كما يشك الجميع و لا تحركني أيادي أجنبية ، كما قد تظن بعض من جهات الدولة …

فقط أريد أن تتمتع النسوة بنفس الحقوق، نفس حجم الحرية ، أن نستطيع الذهاب إلى شاطئ عمومي و الإستلقاء، هكذا بعفوية ، دون الحاجة إلى جر ذكر ما للإحتماء به … أن تطلعن على حقوقهن ، أن يكتسبن ثقافة ممارسة المواطنة ، أن لا تهضم حقوقنا، أن لا يُستخف بنا، أن لا نُغبن في كمية الحقوق الضئيلة التي تمكنا و أخيرا من إفتكاكها ، أن لا نُذَكَّر بالصورة الإجتماعية عندما تتجرأ إحداهن على ممارسة مواطنتها بأحقية – كأن مثلا ترفع قضية  و تنتفض ضد عنف منزلي و يُسأل منها بعد ذلك أن تُسقِط القضية ، أن تتنازل عن حقها  ، أريد فقط  أن تؤخذ  آراء، قرارات و أحلام الواحدة منا على محمل الجد ، أن لا أقابل بالإستهجان و الإستخفاف إن أنا  قررت التقرب لمصلحة شرطة أشتكي تحرشا . أن لا أطرد من مطعم اللوبياء الشعبي فقط لأنني إمرأة ، و المطعم للرجال . أن لا أُضطر أن أقصد المقاهي و الكافيتيريات التي تُحاسب على كوب القهوة بخمسة أضعاف المبلغ الأصلي ، فقط لأنها توفر خاصية الإستقبال المختلط ، فقط لأنها تقدم خدمات للجنسين …

لتضيف البروفيسور إلى قائمتي : ” And that you could bike when you feel like biking ? sometimes ?” – تعقيبا و إشارة على ما تناوله أحد مناشيري بالمدونة –  أجبت : THANK YOU !!! و إنفجرنا ضحكًا نحن الإثنتان .

professor Aili  هي الأخرى ظنت أنني فيمينيست متطرفة ، قالت أنها وجدتني أعرٍّف عن نفسي في سيرتي على تويتر أقول : extremist radical feminist  ، ثم على مدونتي أقول : مناهضة نسوية شرسة  هي التي تُحْسِن بعضا من العربية –  تفاجأت لمطالبي البسيطة و وجدت أن فيمينيزمي بالحقيقة جد معتدل . و أَكّدْتُ أنا – بأسى شديد-  على ذلك .

بالأخير إتفقنا أنني على الأقل أستطيع الآن تعريف فيمينيزمي من الآن فصاعدا : فيمينيزمي جزائري شعبي . فيمينيزمي Populist and basic

Leave a Reply